»نشرت فى : السبت، 14 مارس 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

خرير المعنى ـ عبدالله الهوز


 قصة:  خرير المعنى

بقلم : عبدالله الهوز 


كان هناك حكيم يعيش في كهف على قمة جبل، وكان الناس يأتون إليه من كل مكان يسألونه عن معنى الحياة والوجود. وفي أحد الأيام، جاءه شاب وقال له: "أيها الحكيم، لقد سمعت أنك تعرف سر السعادة. هل يمكنك أن تخبرني به؟"


نظر إليه الحكيم مبتسماً وقال: "تعال معي".


أخذه الحكيم إلى نهر صغير كان يجري قرب الكهف. وقف الاثنان على ضفة النهر. أخرج الحكيم مرآة من جيبه ووضعها في الماء، مغطيها بالكامل. ثم سأل الشاب: "ماذا ترى؟"


قال الشاب: "أرى المرآة تحت الماء".


هز الحكيم رأسه وقال: "انظر جيداً".


نظر الشاب مجدداً وقال: "أرى المرآة والماء والحجارة في القاع".


قال الحكيم: "أنت لا تزال تنظر إلى المرآة. انظر إلى الماء نفسه."


تأمل الشاب الماء المتدفق وقال: "أرى الماء يجري، يحمل بعض الأوراق الجافة، يعكس أشعة الشمس، أسمع خريره".


رفع الحكيم المرآة من الماء وقال: "هذه المرآة هي عقلك. عندما تبحث عن معنى الحياة، أنت تضع عقلك كمرآة تحاول أن تعكس الواقع وتعطيك صورة عنه. لكن الحياة ليست صورة، إنها تدفق مستمر. الماء ليس ما تراه في المرآة، الماء هو ما تشعر به عندما تغمس يدك فيه، وما تسمعه عندما يصطدم بالصخور، وما تراه عندما يلمع تحت الشمس. أنت تريد أن تفهم الحياة بعقلك، لكن العقل يعكس فقط فكرة عن الحياة، وليس الحياة نفسها. الحياة تعاش، لا تُفهم."


سكت الشاب برهة ثم قال: "لكن كيف أعيشها إذاً؟"


ابتسم الحكيم وأخذ بيد الشاب ووضعهما في الماء البارد. سال الماء بين أصابعهما. قال الحكيم: "هكذا. أنت الآن تعيشها. لا تفكر فيها، لا تحاول أن تمسك بها أو تفهمها. فقط كن هنا، مع هذا الماء البارد، مع هذا الصمت بيننا، مع هذه اللحظة التي تمر ولا تعود. هذا هو السر: أن تكون حاضراً مع الحياة كما هي، لا كما يعكسها عقلك."


نظر الشاب إلى يديه في الماء، وإلى انعكاس وجهه المتماوج على سطح النهر. وفجأة، أدرك أنه طوال حياته كان يبحث عن شيء يملكه، عن معنى يمكن أن يحتفظ به، لكن الماء كان يمر بين أصابعه ولا يترك شيئاً سوى الشعور بالبرودة والجريان.


رفع الشاب رأسه إلى الحكيم وقال: "إذن المعنى ليس شيئاً أملكه، بل شيء أعيشه؟"


أومأ الحكيم وقال: "المعنى ليس جوهرة تبحث عنها في أعماق البحر. المعنى هو البحر نفسه. وأنت لست غواصاً تبحث عن اللؤلؤ، أنت موجة من أمواجه."


وقف الاثنان صامتين على ضفة النهر، والماء مستمر في الجريان، والشمس تميل نحو المغيب، والريح تحمل رائحة التراب المبلل. وفي صمتهما، كان كل شيء يتكلم.


    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة الملتقي العربي للقصة القصيرة وفن المقال 2014 - 2015