لا تحكم من بعيد ـ ماجد ياسين
بقلم: ماجد ياسين عبيد
إِذا نَظَرتَ مِن بَعيدٍ إِلى المِلحِ وَالسُّكَّرِ، خُيِّلَ إِلَيكَ أَنَّهُما شَيءٌ واحِدٌ؛ يَلتَقيانِ فِي اللَّونِ، وَيَختَلِفانِ فِي المَذاقِ. وَكَذلِكَ بَعضُ البَشَرِ، تَراهُم فَتَظُنُّهُم أَنقِياءَ كَالسُّكَّرِ، فَإِذا اقتَرَبتَ تَبَيَّنَ لَكَ طَعمُ المُلُوحَةِ فِي حَديثِهِم، وَخُشونَةُ طِباعِهِم، وَمَرارَةُ أَفعالِهِم. وَآخَرونَ تَراهُم مِن بَعيدٍ عادِيِّينَ لا يَلفِتونَ النَّظَرَ، فَإِذا اقتَرَبتَ مِن جَوهَرِهِم رَأَيتَ الحَلاوَةَ تَسكُنُ أَعمَاقَهُم، وَالصَّفاءَ يَفيضُ مِن أَرواحِهِم.
وَكَمَا أَنَّ الذَّهَبَ وَالنُّحاسَ يَختَلِطانِ عَلَى العَينِ مِن بَعيدٍ، لا يُفَرِّقُ بَينَ بَريقِهِما إِلَّا مَن أَمعَنَ النَّظَرَ؛ فَكَذلِكَ النّاسُ، فِيهِم مَن يَلمَعُ بَريقُهُ لِلوَهلَةِ الأُولى، فَإِذا دَنَوتَ مِنهُ رَأَيتَ الصَّدَأَ يُغَطِّي قَلبَهُ، وَفِيهِم مَن يَخفُتُ ضِياؤُهُ فِي الظّاهِرِ، وَلَكِنَّهُ يَحمِلُ فِي داخِلِهِ كَنزًا مِنَ النَّقاءِ وَالوَفاءِ.
فَلا تَحكُم عَلَى الأَشياءِ بِمَظاهِرِها، وَلا تُصدِرْ قَرارَكَ قَبلَ أَن تَقتَرِبَ، وَتَلمَسَ المَعدِنَ الحَقيقِيَّ لِلنّاسِ وَالأَحداثِ؛ فَكَم مِن لامِعٍ خَدّاعٍ، وَكَم مِن بَسيطٍ يَحمِلُ فِي جَوفِهِ جَوهَرَةَ صِدقٍ لا تُقَدَّرُ بِثَمنٍ.
اِقتَرِبْ قَبلَ أَن تَحكُم، وَتَمَعَّنْ قَبلَ أَن تَظلِم؛ فَالمَسافاتُ البَعيدَةُ تُخفي الحَقيقَةَ، وَالقُربُ وَحدَهُ يَكشِفُ الأَصالَةَ مِنَ الزَّيفِ، وَالنَّقاءَ مِنَ الاِدِّعاءِ.
فَالعَينُ تَرى ما يُعرَضُ عَلَيها، أَمّا البَصيرَةُ فَتَرى ما وَراءَ الظّاهِرِ، وَتُفَرِّقُ بَينَ المِلحِ وَالسُّكَّرِ، وَبَينَ الذَّهَبِ وَالنُّحاسِ.
تَذَكَّرْ أَنَّ الجَوهَرَ لا يُدرَكُ بِالنَّظَرِ، وَأَنَّ الحَقيقَةَ لا تُرى مِن خِلالِ بَريقٍ خادِعٍ أَو مَظهَرٍ بَهيٍّ؛ فَالمَعادنُ الثَّمينَةُ لا تَنكَشِفُ إِلّا بَعدَ أَن تَزولَ عَنهَا الأَتْرِبَةُ، وَكَذلِكَ القُلُوبُ لا تُعرَفُ إِلّا بَعدَ أن تَختَبِرَها المواقِفُ. فَكُن بَصيرًا، وَدَعِ الحُكمَ لِقُربِ الفِكرِ لا لِبُعدِ النَّظَرِ، فَما كُلُّ ما يَلُوحُ لَكَ نُورًا هُوَ فِي الحَقيقَةِ ضِياءٌ.




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات