ركن الأدب والإبداع ـ د.جمال جبارة
[مكتب الكويت]
بقلم:
د. جمال جبارة
الإعلامي والكاتب المصري
دموع الشمع.. وفلسفة المجانسة
حين وقف الشاعر أبو إسحاق الغزي أمام الشمعة وهي تذوب، لم يرَ مجرد مادة تنصهر، بل رأى انكساراً شاعرياً فصاغ تساؤله الخالد:
مَالي أَرَى الشَّمعَ يَبكِي فِي مَوَاقِدِهِ
مِن حُرقَةِ النَّارِ أَم مِن فُرقَةِ العَسَلِ؟
ظن البعض أن الوجع في "النار"، واعتقد آخرون أنه الحنين لـ "خلايا النحل"، لكن الجواب الذي استحق الجائزة والحكم الصائب جاء على لسان الشاعر صالح طه الذي غاص في أعماق العلة قائلاً:
مَن لَم تُجَانِسهُ فَاحذَر أَن تُجَالِسَ
مَا ضَرَّ بِالشَّمعِ إِلَّا صُحبَةُ الفَتِـلِ
فلسفة الاحتراق: من تصاحب؟
لقد لخص صالح طه دستور العلاقات البشرية في شطر بيت؛ فالشمع لا يهلكه لهب خارجي، بل "الفتيلة" الغريبة عنه التي سكنت أحشاءه. هي منه وفيه، لكنها ليست من "جنسه"، لذا كانت هي سبب احتراقه ونهايته.
إنَّ أعمق الدروس التي نستقيها من هذا السجال الأدبي هي دقة الاختيار، فمن تصاحب هو من يحدد مسارك:
• صاحب "المجانسة": اختر من يشبهك في قيمك، ومبادئك، ونقاء سريرتك. فالمجانسة في الروح هي الضمانة الوحيدة لعدم الاحتراق.
• رفيق النور: الذي يحفظ ضياءك ولا يستهلك وقود عمرك في صراعات لا جدوى منها.
• الأخ الصالح: كما وصفه الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "ما أعطي العبد بعد الإسلام نعمة خيراً من أخ صالح".
الخلاصة:
احذر أن تضع في قلبك "فتيلاً" غريباً عن طبعك، فما ضرّ الإنسان شيء كما ضرته صحبة من لا يناسبه. انتقِ من تجالس، فإما أن يكونوا وقوداً لرفعتك، أو سبباً
في احتراقك ودموعك.
مقالات



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات