وقفة مع الضمير ـ قاسم عبدالعزيز
إنَّ الآباء الذين أفنوا زهرة شبابهم في المنافي، لم يكونوا يجمعون "المال" بقدر ما كانوا يشترون لكم "الكرامة". خلف كل حوالة بنكية أُرسلت إليكم، هناك قصة تعبٍ لم تُروَ، وعشاءٌ ناقص، وسهرٌ في وحشة الغربة، ودمعةُ حنينٍ كُتمت لكي لا تصل إليكم مخاوفهم.
تذكروا دائماً:
أنَّ الأب في الغربة ليس "آلة صرافة"، بل هو إنسان يحتاج أن يُسأل عن حاله، لا عن جيبه. أنَّ البيوت التي يسكنها "الجحود" هي سجونٌ باردة مهما كانت فخامتها، وإنَّ أقصى طموح المغترب هو أن يجد في عيونكم وطناً ينسيه ذل الاغتراب. بروا آباءكم قبل أن يرحلوا بصمت، فالموت في الغربة مرتين: مرةً بفقد الروح، ومرةً بنسيان الأهل.
"ارفقوا بالقلوب التي شاخت لتكبروا، وانحنت لتقوموا، واغتربت لتستقروا."
غُرْبةُ الرُّوحِ في مرافئِ الأهل
مَضَى العُمرُ في بَحْرِ الشَّتاتِ سَفِينا
نُصَارِعُ مَوْجَ الصَّبْرِ.. حِيناً فَحِينا
بَنَيْنَا لَهُمْ فَوْقَ السَّحَابِ مَنَازِلاً
وَكُنَّا لَهُمْ حِصْناً.. وَكُنَّا أَمِينا
نَبِيعُ نَهَارَ العُمْرِ كَيْ نَشْتَرِي لَهُمْ
غَداً بَاسِماً.. يَكْفِي البَنِينَ أَنِينا
وَعُدْنَا.. وَفِي الأَجْفَانِ شَوْقٌ لِضَمَّةٍ
تُزِيحُ عَنِ الأَكْتَافِ هَمّاً دَفِينا
فَمَا وَجَدَتْ أَيْدِي المَحَبَّةِ مَوْعِداً
وَمَا نَالَتِ الأَشْوَاقُ إِلا الظُّنُونا!
غَرِيبٌ أَنَا فِي دَارِ مَنْ صُنْتُ عَهْدَهُمْ
كَأَنَّ وُصُولِي.. يُزْعِجُ النَّائِمِينا
أَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ كَدُّ جَوَارِحِي؟
أَمِنْ أَجْلِ هَذَا.. ذُبْتُ كَي يَكْبَرُونا؟
فَيَا حَسْرَةَ الآبَاءِ إِنْ صَارَ عَطْفُهُمْ
مَجَرَّدَ رَقْمٍ.. يُطْعِمُ الجَائِعِينا
إِذَا صَارَ رَبُّ البَيْتِ عِبْئاً وَثِقْلَةً
فَقَدْ مَاتَ نَبْضُ الخَيْرِ فِي العَالَمِينا
قاسم عبدالعزيز الدوسري
مقالات



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات