فلاحة المجاز - كاملة الصيداوي
فلّاحةُ المجازِ.
في صِغري، كنتُ أحلمُ بأن أصيرَ مثلَ أمي "صانعةَ جُبنٍ"، ولكني أخفقتُ وصِرْتُ "فلاحةَ مجازٍ".
فأنا سليلةُ نساءٍ فككنَ طلاسمَ الأرضِ قبل أن تُخترع الأبجدية؛ حفيدةُ نساءٍ من ملحٍ وطين، عرفنَ أسرارَ المتوسّطِ المخبأةَ في عروقِ الزيتون.
تلك السيّدة الكنعانيّة التي نُحتت ملامِحَها من صخرِ الجليلِ، كانت تمارسُ الفلسفة بيديها لا بلسانها. كانت تروضُ الحليبَ المتمردَ في "السعن"، تحاوِرُه بصبرٍ حتى يستسلمَ ويصيرَ جبنًا أبيضَ ناصعًا كقلبِ ليلةٍ مقمرةٍ. كانت تعرفُ متى تشتدُّ على اللّبن ليفصلَ "زُبدَه" عن "مائِه"، تمامًا كما أفعلُ أنا اليومَ مع مسودّاتِ نصوصي؛ أعصرُ الكلماتِ حتى يقطرَ منها جوهرُ الدهشة، وأرمي ما تبقى للنسيان.
ورثتُ عنها اعتزازها الكنعانيّ بـ "القالب"؛ هي تصبُّ الجبنَ في قوالبَ من خشبٍ أو قماشٍ لتمنحهُ شكلًا وكيانًا، وأنا أصبُّ هواجسي في "قوالبِ" الشعرِ والسّرد، أتأنقُ لها بفساتينِ المجاز، وأضعُ لها "شامةً" من النقطةِ في آخر السطرِ. ثمةَ سرٌّ غامضٌ يَربِطُنا نحن الاثنتين؛ أمي تملّحُ الجبنَ لكي لا يفسد، وأنا أملّحُ حروفي بـ "شقاوةِ" التمردِ لكي لا تبلى خلفَ رفوفِ المكتباتِ الباردةِ. هي كانت تبيعُ بياض كفها لتعيّشَنا، وأنا أسكبُ روحي على الورقِ لكي أرتقي وأعودَ ابنةَ "صانعةِ الجبنِ".
أمي كانت "تطبخُ" الوجودَ في أوانيها الفخاريةِ، تُطعمُ الجياعَ بنهمِ العطاءِ الكنعانيّ، وأنا اليوم أمارسُ الإبهارَ ذاتَهُ، لكنّني أُطعمُ "العقولَ" التي أنهَكَها صيامُ الدهشةِ. كلٌّ منا تمارسُ فنَّها كأنها في موعدٍ غراميّ مع الأبدية؛ هي بـ "مئزرها" الملطّخِ بآثار الحليب، وأنا بـ "فستاني" الأسود الذي يفوحُ منه عطرُ الغوايةِ الثقافية.
أتذكرُ كيف كانت أمي تَضغطُ بيديها الماهرتينِ على كتلِ الجبنِ الطّريةِ لتعصرَ منها آخرَ قطرةِ قلق، تماماً كما أفعلُ أنا حين "أُهذّبُ" مسودّتي الأولى. هي كانت تحبُّ أن تخرجَ قوالبُها ملساءَ متماسكةً، تلمعُ تحت ضوءِ الصباح؛ وأنا لا يهدأُ بالي حتى يخرجَ النصُّ "مصقولاً" كقطعةِ مرمرٍ، ناعمًا كجلدِ امرأةٍ لم تخدشها الأيام، لكنه يحملُ في طياته ملوحةَ الحقيقةِ التي تقرصُ لسانَ القارئ بـ "لذةٍ" متمردة.
هناك "سحرٌ" مخفيّ في طقوسِ أمي؛ كانت تُزينُ أقراصَ الجبنِ بحباتِ البركةِ السوداء كأنها تضعُ لها "شاماتٍ" لتزيدَ من جاذبيتها. وأنا، بمكرٍ أنثوي، أضعُ "حباتِ بركةٍ" لغوية؛ استعاراتٍ حادة، وتشبيهاتٍ جريئة، وغموضًا يشبهُ الكحلَ العربيّ الثقيل. نحنُ امرأتانِ لا نُقدمُ "الوجبةَ" هكذا ببساطة؛ نحنُ نُقدمُ "فتنةً" مغلفةً بالعطاء. هي كانت تطعمُ جيرانها فيرحلون شبعى، وأنا ألقمُ القارئَ ليرحلَ ظمآناً للمزيد، تائهًا في "معضلةٍ" لغوية لا تنتهي.
لم تكن وهي تخضُّ لبنها في ذاك الرّكنِ المنسيّ، تدركُ أنها تعيدُ صياغةَ تاريخٍ يمتدُّ بطولِ البحرِ الأبيض؛ ذاك البحر الذي لا يفرقُ بين صرخةِ غريقٍ وأغنيةِ صياد. كانت يداها، اللتان تقطران بياضًا، تعزفانِ على وترٍ كنعانيٍّ قديمٍ قبلَ أن يعرفَ العالمُ "البارميزان" الإيطالي بصلابته الأرستقراطية، أو "الروكفور" الفرنسي بغموضه الأزرقَ المتمردَ.
حين أكتبُ نصًا "مُعتقًا" كما يُعتقُ الجبنُ في كهوفِ فرنسا، أشعرُ بذاك المدِّ الحضاري يتدفقُ في عروقي. أنا وريثةُ النساء اللواتي حولنَ "الحاجة" إلى "فن"، والجوعَ إلى "إتيكيت". صانعاتُ الجبنِ في بلادنا هنَّ المهندساتُ الأوائل لمفهومِ "اللذةِ المستحيلة"؛ اللذة التي تتطلبُ صبرًا كصبرِ صيّاد ودقةً كدقةِ نحاتٍ.
أيقنتُ منذُ عهدِ الملحِ في كفّيها وصرةِ القماشِ التي كانت تعصرُ فيها خلاصةَ الوجودِ، أننا نحن الاثنتين لا نُطعمُ العالمَ مجردَ طعامٍ وكلمات؛ نحنُ نُقدمُ له "تاريخاً صالحاً للحب"، مطبوخًا بنارِ الشوق، ومقدماًا في أطباقٍ من ذهبِ الإثارةِ والجدِ. بعد رحيلها، صرتُ أكتبُ وكأنني "أخيطُ" جرحَ الوجودِ، وأتأنقُ لنصّي كأنني أستعدُّ لموسمِ حصادٍ كنعانيٍّ قديم. الكتابةُ عندي لم تعد ترفاًا، بل إنها "مهنةٌ يدوية" ورثتُها من نساءٍ لم يقرأنَ "أرسطو"، لكنهنَّ علمنَ البحرَ كيف يهدأُ حين يلمسنَ شواطئه بأقدامهنَّ الحافية.
يدي التي تمسكُ القلمَ اليوم بـ "دلالٍ" نسائي، هي ذاتُها امتدادٌ ليدِ أمي التي كانت تغرسُ أصابعَها في جوفِ الأرضِ لتعرفَ "مزاجَ" التربةِ. هي كانت تزرعُ البذورَ وتنتظرُ المطر، وأنا أزرعُ الفكرةَ وأنتظرُ السطرَ. نحنُ امرأتانِ نتقنُ لغةَ الانتظارِ المتوسطية؛ ذاك الصبرُ الذي يجعلُ حبةَ القمحِ رغيفًا، ويجعلُ الحبرَ الجافَ حياةً تنبض.
فأنا اليوم لا أكتبُ من فراغٍ، أنا أكتبُ من "طمي" الذاكرةِ، ومن رائحةِ الأرضِ المبللةِ التي ورثتُها عن نساءٍ عرفنَ كيف يروّضنَ الطبيعةَ بالحبِ والقسوةِ معاً. "دَلعي" الذي لا يشيخ في لغتي هو النسخةُ المصقولةُ من "شقاوةِ" البدويّاتِ القديمات، وفلسفتي هي "حكمة الملح" التي أورثتني إياها أمي من مراقبةِ الفصول.
أنا أكتبُ كما كانت هي تُطرز؛ بـ "غُرزةٍ" ضيقةٍ لا تسمحُ لبردِ السطحيّةِ أن يتسلل، وبخيوطٍ ملونةٍ أَستلُها من شرايينِ قلبي، لأهبَ القارئَ نصًا دافئًا كشالِ صوفٍ حاكتهُ أمي في ليالي كانون.
كاملة محمود الصيداوي .
فلسطين.
قصة



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات