المرأة - عاشور مرواني
بمناسبة اليوم العالمي للمرأة
ليس هذا اليوم مجرد تاريخٍ عابر يُطوى في صفحات الروزنامة، ولا احتفالاً رمزياً باهتاً تُلقى فيه كلمات منمقة ثم تمضي الأيام كأن شيئاً لم يكن. إن الاحتفاء بالمرأة في يومها العالمي هو، في جوهره، وقفة تأمل أمام أصل المعنى في التجربة الإنسانية؛ حديثٌ عن ذاك الكائن الذي لم يكن يوماً مجرد عنصر هامشي في المجتمع، بل كان -ولا يزال- العمود الفقري الذي يستند إليه بقاء الحضارة واستمراريتها.
ذاكرة الإنسان الأولى وصانعة الوجود
منذ فجر التاريخ، لم تقتصر رسالة المرأة على كونها "أماً" تلد الحياة بيولوجياً فحسب، بل كانت هي "ذاكرة الإنسان الأولى". في نبرات صوتها تعلّم الطفل حوف لغته الأولى، وفي حنان حضنها تشكّل شعوره الفطري الأول بالأمان، ومن سحر عينيها قرأ تفاصيل العالم للمرة الأولى. ولهذا، فإن دورها يتجاوز الوظائف الاجتماعية النمطية ليصل إلى مستوى وجودي أعمق: صناعة الإنسان ذاته.
حارسة القيم والضمير الجمعي
إن الأمم لا تُبنى بالهياكل الاقتصادية والنصوص القانونية والفتوحات العلمية وحدها، بل تُبنى -قبل كل شيء- بالقيم. وهذه القيم لا تولد في المؤسسات الكبرى، بل تنبت وتزهر في تلك المساحات الصغيرة الحميمة: في تفاصيل البيت، ودفء العائلة، وحضن الأم، وفي قلب المرأة التي تزرع في نفوس أبنائها معاني الرحمة، والعدل، والصبر، والشموخ. ومن هنا، ندرك أن المرأة لا تصنع الأفراد فحسب، بل هي المهندسة الحقيقية للضمير الجمعي للأمم.
بصمة في الظل.. وشرارة للنهضة
وإن كان التاريخ، في كثير من محطاته، لم يكن منصفاً في تدوين هذا الدور الجوهري، تاركاً حضور المرأة غالباً في الظل بينما تتصدر المشهد أسماء القادة والمحاربين، إلا أن القراءة المتأنية لمسار الحضارات تكشف حقيقة ساطعة: ما من نهضة كبرى عرفتها البشرية إلا وكان للمرأة دور حاسم في إشعال شرارتها الأولى. سواء كان ذلك عبر بوابة التربية وصقل العقول، أو من خلال المعرفة والإبداع، أو عبر ذاك الصبر الأسطوري الذي يحمي نسيج المجتمع من الانهيار في أحلك أوقات الأزمات والحروب.
تكامل العقل والعاطفة
إن المرأة ليست مجرد رمز للعاطفة الجياشة كما جرى نمذجتها وتصويرها، بل هي أيضاً عقلٌ فذّ قادر على التفكير النقدي والإبداع الخلاق، وإرادة صلبة قادرة على الصمود وقيادة التغيير. وقد أثبتت التجارب الإنسانية الحديثة أن المجتمعات التي تمنح المرأة فرصاً عادلة في التعليم والعمل والمشاركة السياسية والاجتماعية هي المجتمعات الأكثر استقراراً، وازدهاراً، وتوازاً؛ لأن طاقات المجتمع لا تكتمل ولا تتضاعف قدرتها على التقدم إلا حين تتكامل أدوار رجاله ونسائه.
جذر شجرة الحياة
لكن المعنى الأعمق، الذي يتجاوز كل الأدوار، هو أن المرأة تمثل في الوعي الإنساني قيمة الحياة نفسها. فهي التي تمتلك السّر الحضاري لتحويل الألم إلى صبر، والتعب إلى عطاء بلا مقابل، والخوف إلى أمل متجدد. وفي لحظات الانكسار التاريخي والفردي، كثيراً ما كانت المرأة هي القوة اللامرئية التي تحفظ تماسك العائلة والمجتمع، لتغدو أشبه بجذرٍ خفيّ وعميق تمسك به "شجرة الحياة" بكل قوتها كي لا تسقط أو تقتلعها عواصف الزمن العاتية.
تكريم للإنسان المتكامل
بناءً على ذلك، فإن الاحتفاء بالمرأة ليس مجرد تكريم لشخصها، بل هو تكريم لفكرة "الإنسان المتكامل"؛ ذاك الإنسان الذي لا يمكن أن يكتمل وجوده إلا بالتوازن الخلاق بين طاقتيه: طاقة الرعاية والحنان، وطاقة البناء والعقل، طاقة القلب الشاعر، وطاقة الفعل المؤثر.
إن المجتمعات الواعية لا تنظر إلى المرأة باعتبارها "نصف المجتمع" من الناحية العددية فحسب، بل باعتبارها القوة التي تصنع إنسان هذا المجتمع. فالرجل الذي يقود دُفّة مؤسسة، أو يبدع في محراب العلم، أو يبني مشروعاً عملاقاً، هو في نهاية المطاف ثمرة سنوات طويلة من التربية، والقيم، والدعم التي زرعتها امرأة -أماً، أو زوجة، أو أختاً، أو معلمة- في قلبه وعقله يوماً ما.
خاتمة
لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح في هذا اليوم ليس: "ماذا قدّمت المرأة للعالم؟".
بل ربما السؤال الأصدق والأكثر عمقاً هو: "ماذا كان سيصبح العالم لولا المرأة؟".
وفي نهاية هذا التأمل، نكتشف أن الحضارة البشرية، بكل ما فيها من علوم، ومدن، وثقافات، وفلسفات، تبدأ دائماً من لحظة صغيرة جداً، لكنها تختزل الكون كله:
طفلٌ يتعلم أول كلمة،
وأمٌّ تبتسم.
هناك، في تلك اللحظة البسيطة والمقدسة، يبدأ تاريخ الإنسان من جديد في كل مرة.
كل عام ونساء العالم هُنّ الحياة، والأمل، وصانعات المستقبل.
الشاعر و الأديب عاشور مرواني
مقالات



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات