»نشرت فى : الأربعاء، 6 مايو 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

خلف النظارة السوداء ـ ا. حسناوي سيلمي


 خلف النظارة السوداء ( قصة )                               بقلم أ.حسناوي سيلمي


يقودُ السيّارة بصمتٍ، لا يتناهى غير صوتِ المِقود إثر احتكاكه كل مرة بطرفِ قميصهِ الزائد قليلاً عن ذراعه. يشعرُ بخوفٍ قليل يسري في دخيلتهِ دون أن يتبينَ لهُ سبباً واضحاً، يحاولُ بين الفينة و الفينة أن يفتحَ الراديو كي يزيلَ عن نفسهِ ثِقل الغربة المفاجئة التي تلمّ بهِ. منذ فترة ليست قصيرة، اعتادَ أن ينامَ في المساء و يصحو عند أولِ ساعات الصباح بعد انقضاء منتصف الليل، و ها هو كما يبدو ستظلُّ تراوده هذه العادة فقررَ أخيراً أنه بصدد التواءم معها، فثمّة أمور في الحياة لا مهرب عن التصالح معها بل و الرضوخ لها إذا كانت ذات سطوة، كالنسيّان مثلاً. 

ركنَ سيارته الصغيرة في المصفّ العام. حملَ هاتفه المحمول و محفظته الجلديّة، إضافة إلى كتاب متوسط الحجم. دفعَ الباب، أحسّ به ثقيلاً لأول وهلة. مشى مرتدياً نظارته السوداء و هو ينعمُ بحرارةِ نيسان اللذيذة تسيلُ فوق خدّه و تستقرُ فوق شفتيه. كان الربيع بالنسبة له محاولة البدايات، هذا اللون الأخضر الذي تلبسه الدنيا لا يبعثُ الفرحَ بداخله قدرَ ما تؤجج الرغبة المشتعلة بتلمّس نقاط الإنطلاق من جديد. إنهُ، و بالذات في الآونة الأخيرة، لا يفهم نفسه تماماً، و هو على يقين أنه ما عادَ كثيراً مهتماً بفهمِ نفسه، يتكتمُ عن رغباته و لا يوليها تلك النظرة التي كانت في السابق، يمرُّ على الأشياء بروحِ الزاهد المتعفف، يبتسمُ للآخرين بحبٍ كبير و يهبُ روحه للحظة دون حساب. المُدهش حقيقةً، أنه لم يتصوّر في حياته قط، هذا المصير، لقد أصبحتْ سعادته في متابعة سربٍ من النمل يحملُ ثمرة يومه بدأب. أو مثلاً، كيف تلتقي غيمتان في السماء و تحجبانِ قرص شمس ذلك النهار. يعلمُ أنه يرثُ هشاشةً تنبعُ من قناعته بنسبيّة الأشياء و عدم استقرارها على طبيعة محددة تحكمها و تبّلغها حدودها القصوى. 

شعرَ بقامتهِ النحيلة جداً تنحني عند عتبة الباب الزجاجي، فرحّب بهِ التسجيل الصوتي مُعلناً دخول زبون جديد. خلعَ سترته الخفيفة و علّقها على العلاُقة المحاذية للمدخل. دسّ كفّه المتعبة في جيب سرواله و تحسس الأوراق النقدية بكثيرٍ من العناية. و من الداخل كان يصله صوت أغنية مفضلة لديه، إنها أغنية صحراوية أثيرة يؤديها "خليفي أحمد" و على الفور عثرَ على نفسه ينقاد للترنّم بكلمات الأغنية بينما كان دائماً يفاخر ببراعته في فك رموز الكلمات العميقة والجزلة. المقهى يبدو شبه فارغ إلا من بعض المرتادين، التفّ حول نفسه بحركةٍ خاطفة راقصة مثل حبلِ غسيل مبلول انزلقتْ عنه الثياب فجأةً، أرادَ أن يضحك إلى أن تمالك نفسه أخيراً قبل أن تنفرج شفتاه. خلف الكونتوار كانت فتاة تنتظر أن يتقدّمَ و يقوم بإختيار طلبه، حينما هربت عنه تلك الحركة الغريبة، ارتجفَ أنفها الصغير و غشيت عيناها فوق شفتينِ رسمتا ابتسامةً شفّافة. حاولَ أن يعكسَ ملامح الجديّة في هيئتهِ فتنحنحَ بكحّةٍ مقتضبة ثم أرخى ذراعه قريباً من مكان الدفع و بدأ يطالعُ بإهتمام ظاهري أسعار المشروبات.

- مرحباً. عفوك، لقد دخلتُ مندفعاً و لم أُلقِ بالاً لوجود الكونتوار هنا.

- ما في مشكلة أبداً ! .. أهلاً بك. مال وجهك أحمّر هكذا؟ 

- أنا خجول قليلاً، لا تبالي .. هل يوجد نيسكافيه؟

- ما الحجم المطلوب؟ . 

رأتهُ ساهماً قليلاً شارد النظرات، فبادرتهُ قائلة بنبرةٍ من الإبتهاج المُفتعل:

- لدينا عرض اليوم، اشتري الحجم الكبير بسعر منخفض . ما رأيك؟

- حسناً .. نسكافيه كبيـر.

و باعدَ بين ذراعيهِ كأنما ليمثّل لها المشهد كنوعٍ من الدُعابة. اهتزّتْ ترتعشُ اتجاه هذه الحركات الخفيفة، كانت ثمّة فراشات صغيرة تصعدُ الكحل بأطراف عينيها الفرحتين الواسعتين. حدسَ في قرارتهِ أن هنالك تكامل فذّ بين روح الأنثى و روح الطبيعة في عينيّ الفنان. أعجبه استنتاجهُ و هو يتراجعُ ببطء ثم يخطو إلى طاولة قريبة. جلسَ و هو لا يزال يفكّر ، لكنه سرعان ما دفعَ بالخواطر عن مخليته و انشغل بقراءة الكتاب الذي جلبه معه. مرّ بأصابعه على الصفحات الصفراء الناعمة، كان الكتاب رواية جزائرية عنوانها " "ضوضاء وصراع" ، تحكي الرواية قصة عدد من الأجيال من الجزائريين في بداية القرن العشرين عُرفوا بالقياد.وهم فئة من الجزائريين من أعيان القبائل والعائلات المتنفذة الذين اعتمد عليهم الاستعمار الفرنسي كأعوان للإدارة  و الذين عاشوا في مدن شمالية وداخلية، يزرعون الحبوب ويربون المواشي ويستولون على الأرضي الفلاحيةو يعيشون صراعاتهم الداخلية مع جمع المال و الأهالي المغلوبين على أمرهم بسبب نظام الخماسة السائد حينذاك حيث استغل لترسيخ سيطرتهم بتأييد من الاستعمار، ثم التحرر الطارىء على المجتمع الزراعي المتناقض. انفرد الكاتب بنهجٍ يسوده الصخب والحدة في تصوير معاناة الخماسين بأسلوب طويل الجملة الغارق في تيار الوعي، و هو إلى جانب ذلك  يستشفّ عبق الإبداع وبراعة الأنامل التي صاغت هذا الواقع المرير بإتقان في عمل استحق عليه جوائز عديدة . 

قطعَ حبل أفكاره صوت الجلبة القادمة من المطبخ القريب، صوتُ الكؤوس و الملاعق تقرقع في الداخل.   و بالصدفة عاد نظره إلى فتاة الكونتوار ، كانت منشغلة هذه المرة، تتحدثُ بعصبية على هاتفها المحمول و إن حدث ذلك بصوتٍ خافت لا يلاحظه أحد. 

لقد تصالحَ مع ماضيهِ البعيد مُرغماً و لا يريد أن يمضي في رشّ الملح فوق الجروح الملتئمة. تنفّس بعمق ملوّحاً ببصرهِ في أرجاء الصالة النظيفة خافتة الإضاءة. الجميع مسترسل بالعمل  على الهواتف المحمولة، إنه عصر سماعات الأذن بجدارة، الأغلبية تحاول الإنعتاق و قلمّا صارت ترحّب بالنقاش و الجدل. العالم يتفتّح اليوم مثل زهرةٍ قررتْ أن تفوحَ بكل شذاها مرة واحدة و إلى الأبد، لا حدود لا قيود لا حواجز. بصرهُ مُشوشا حينما شاهدَ كفّاً مطلية الأظافر تحملُ خاتم خطوبة لامع ، جاءت بكوب القهوة، إنها الفتاة ذاتها. ابتسم لها دون قصد طاوياً الكتاب على صفحتهِ تلك. إنه يحرصُ حتى اللحظة أن لا يعترف بأنها كانت ملاكاً سقطَ من إحدى السموات. رآها تبتعدُ في المرآة المعلّقة على الحائط، إنها بلا شك في العشرينيات و ربما لا زالت تدرسُ في الجامعة و هي الآن تعملُ ما بعد الظهيرة كي تغطي مصروفها الجامعي. أمسكَ بكتابه و عاد إلى المطالعة. كانت الأحداث تتأزم صفحة بصفحة .. سرقة، خيانة، جحود، ذكريات الحرب القديمة، البورصة، العقوق، العنصرية، إلخ.. مع الوقت سيُدرك حقاً معنى أنه مهما كان الفنان بديعاً في ترتيبِ خيالهِ و تشكيلهِ للأحداث و الشخوص و الدراما، فإن الواقع بلا مقارنة أكثر إثارة و أشد غرابة. 

مرّتْ مدة من الزمن لم يتبين طولها. تأمّل رأسه المنحني فوق الكتاب في المرآة البعيدة، كان شعره الغزير يغطي جبهته و لحيته تأكلُ وجهه ذو العينين الغائرتين. كان في الثلاثينيّات من عمره، طالباً نجيباً لا يرغب بترك الدراسة أو الحياة. ما أبغضها إلى نفسه أن يجلسَ إلى شخص ليحدثّه عن الحياة ساعة و ما يجبُ فيها و ما لا يجب !، إنها ذكية جداً تلك الحياة التي تعرفُ كيف تختفي حينما نجدها و متى تظهر حين نختفي نحن. 

للحظة سمعَ باب المقهى يُفتح بقسوة و اندفاع. شاهد ذلك الشخص العابس يدخل دون مبالاة أو تريّث، ثم شرعَ يصرخ بالفتاة. لقد كان شاباً قوي البنية على الموضة مثلما يقولون. بدأ يطرق أصابعه الضخمة مهدداً أمام الفتاة الخائفة. بدا كأن لا حول لها و لا قوة أو بالأحرى هي في موقف لا تُحسد عليه، إنه موقف مُحرج للغاية. الخطيب المتأنق يستعرض قواه أمام الملأ، لقد سمعَ من مكانه كلاماً مؤلماً تفوّه به ذلك الأرعن. شاهدها تبكي و قد انهالت ضفائرُ شعرها السوداء على كتفيها محلولةً و هي تنحني بعنقها بإستسلام، إنه يذهب و كأن شيئاً لم يحدث. انضمّ إليها بعض الرفاق و بدأووا بتهدئتها، بل أن زميلة لها مسحتْ بمنديل دموعها المغرورقة و هي تحنو على كتفها مهدأة . أصبحَ وجهها أحمراً كتفاحة ناضجة، ذبلتْ عيناها و قد ذرفت من العبرات ما أذاب جزءاً من الكحل. توارت لفترة من الوقت قبل أن تخرجَ إلى الزبون القادم باسمة و قد ضفرت شعرها و تصنّعتْ ابتسامة زائفة على شفتيها.

ربما يكون مشهداً عادياً جداً و يتكرر دون أن تكون ثمّة مبررات. لكن في نفسهِ كان يتدبر غضب خفي، لقد تشقق الماضي و انحلّت خيوطه العريقة في ذاكرته، عضَ على شفتيه، لم يشأ أن يسترجعَ صدى خلفّته الأيامُ. 

راودهُ إحساسٌ عميقٌ بالأسى إثرَ إغلاقه للكتاب. أكمل فصلاً من الرواية ثم تأهّب للخروج. حيّ الفتاة و يده تشيرُ إلى فمهِ طالباً منها أن تبتسم. رفعتْ حاجباها إلى أعلى معلنة مولد ابتسامة جميلة بدت عن شفتيها الرقيقتين.

كان لا يزال صوت تلك الأغنية الصحراوية يصدحُ في الداخل، و لسببٍ ما اختفى كل تلك الفترة، لكنه عادَ ينسحب متوهجا بالحياة و الوعود، يكتنفهُ شيءٌ من الصخب و الضوضاء أحياناً . بينما كان يبتعد عن المحل إلى الشارع مجدداً بقلبٍ يفتقد الكثير من الأمان و الرضا.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة الملتقي العربي للقصة القصيرة وفن المقال 2014 - 2015