هجرة لا تشبه الطيور ـ نوال إدريس
ثمّة أماكن لا تُفتح لنا أبوابها مرةً واحدة، بل ندخلها مراتٍ بعددِ من سكنوها، ومراتٍ بعددِ ما تركوا فينا من أثر. ندخلها غرباءَ، فإذا بنا بعد حينٍ نسكنها كما تسكننا، ونحملها في صدورنا كما تُحمل الأمانات. تلك هي المفارقة الكبرى، أن تظنَّ أنك زائرٌ عابر، فإذا بك تصير جزءًا من حكاية المكان وإذا بالمكان يصوغ فصولًا من سيرتك لم تكن في الحسبان.
في البدء، نخال أن الخطوة الأولى نحو أيّ مكانٍ هي خطوة الجسد فحسب، خطوةٌ تسبقها النية وتلحقها الذكرى لكن الحقيقة أن بعض الخُطى تُولد من رحم الروح قبل أن تطأها القدمان. ندخل والمكانُ يجهلنا ونخرج وقد صرنا من نسيجه، من هوائه، من ذاكرته الحيّة. وكما أن للطيور هجرتها التي تمليها الفطرة وتبدِّل المواسم، فإن للبشر هجرةً من نوعٍ آخر، هجرةً لا تشبه الطيور، لأن الطيور تعود إلى أعشاشها حين يحين الأوان، أما نحن فنرحل أحيانًا وقلوبنا معلقةٌ بخيوطٍ من ضوء لا يُبقيها المكان ولا يمحوها الزمان.
في هذا المقال، لا أروي قصة مكان، بل أروي كيف يمكن لمكانٍ أن يصير وطنًا، وكيف يمكن لإنسانٍ أن يصير للمكان روحًا وكيف أن بعض الأماكن لا ندخلها للمرة الأولى كما ندخل سائر الأماكن، بل كأنها منذ اللحظة الأولى تعرف كيف تترك في القلب أثرًا لا يزول.
في ذلك اليوم دخلتُ المدرسة لكن ليس كما اعتدتُ دخول الأماكن في كل مرة؛ ففي العادة لم أكن أحتاج إلى مقدمات تسبق حضوري، ولا إلى ما يبرر تجوالي بين أروقتها. غير أن الأمر في هذه المرة كان مختلفًا؛ كان لكل خطوة وقعٌ لا يشبه سواه، ولكل نظرة معنى يتجاوز حدود المكان.
لم أدخلها بوصفها مبنى يضم الفصول الدراسية فحسب، بل دخلتُ صرحًا تربويًا تنبض أروقته بالحياة، وتُحكى في زواياه حكايات العلم والتربية.
لم أكن زائرةً عابرة، ولا موظفةً جاءت تؤدي عملها، بل كنت ضيفةً دُعيت إلى مائدة غداء أُقيمت على هامش الحفل الختامي للفصل الدراسي الأول.
كان دخولي هادئًا جدًا، عابرًا في ظاهره، لكنه في داخلي كان يعجُّ بضجيجٍ لا يسمعه أحد. كنت أمشي بخطوات واثقة، بينما كانت روحي تزدحم بالأسئلة، وأحمل في الخفاء الكثير من التأمل والترقب.
كنت أرقب الوجوه، وأقرأ الملامح، وكأنني أبحث فيها عن إشارات خفية تطمئن قلبي أو تؤجل قلقي.
لم تكن تلك الزيارة وليدة المصادفة، فقد كان ذلك بالاتفاق مع مالكة المدرسة، على أن تكون هذه الزيارة أول خيط يُنسج في علاقة قد تمتد، وأولى الخطوات نحو تعارف يسبق أي مسؤولية قادمة.
لم تكن المالكة بالنسبة إليّ مجرد مالكة للمدرسة، بل كانت، قبل أن تكون مالكة، ملكةً في قلبي منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها. لم أكن أعرف عنها يومها إلا أنها صاحبة هذا الصرح التربوي، لكن حضورها وحده كان كافيًا ليترك في نفسي أثرًا لا ينسى.
شدّني إليها رقيُّها، وقوة شخصيتها، وكاريزمتها الهادئة، وابتسامتها الآسرة. كانت إذا ابتسمت شعرتُ وكأن المكان كله يبتسم معها. كان في ابتسامتها شيء من الطمأنينة، وشيء من الهيبة، وشيء يجعلها قريبة من القلوب منذ اللقاء الأول. كانت تمتلك حضورًا لا يحتاج إلى تعريف، وشخصيةً تفرض احترامها بهدوء، حتى إنك تشعر أنك أمام امرأة لها مكانتها وأثرها أينما حلّت.
ومع الأيام، اكتشفت أن خلف تلك الابتسامة حكايةً أخرى.
كان الجميع يناديها: أم زكريا. ولم تكن تلك الكنية مجرد اسم، بل كانت حكاية صبرٍ واحتساب. فقد مضى زكريا إلى رحمة الله، وبقيت هي تحمل وجع الفقد بقلبٍ مؤمن، لا يطفئ ابتسامتها ولا ينال من حكمتها. كانت تخفي حزنها خلف وجهٍ بشوش، حتى يخال من يراها أن الابتسامة وُلدت لها، وما كان يدري أن خلف ذلك النور أمًّا علّمتها المصيبة كيف تكون عظيمة.
بدأت أتعرف إلى جانب آخر من شخصيتها فعرفت أن لها سيرةً طيبة سبقتها إلى الناس، وأنها جعلت من العطاء أسلوبًا في الحياة، ومن الخير بابًا لا يغلق. كانت ترعى أسرًا من الأيتام، وتفتح قلبها قبل يدها لكل من يحتاج إليها، فازداد تقديري لها، وأيقنت أن المكان لم يكن جميلًا بجدرانه، بل بالروح التي كانت تقوده.
كنت فخورة بأن القدر أتاح لي أن أعرف هذه المرأة عن قرب، وما زلت، رغم رحيلي عن المدرسة، أعدُّ معرفتها واحدة من أجمل المحطات في حياتي.
وربما اختلفنا يومًا في وجهات النظر، وربما مرّت بيننا سحابة سوء فهم، وهذا مما يحدث بين البشر، ولا سيما في بيئات العمل. لكن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ولا يمحو الصورة الأولى التي استقرت في القلب. فما زلت أؤمن أن الأستاذة شيخة، أم زكرياء، من أولئك الأشخاص الذين لا يمرون في حياة الآخرين مرورًا عابرًا، بل يتركون أثرًا جميلًا، وبصمةً تبقى في الذاكرة والقلوب، لأن بعض الأرواح خُلقت لتُذكر بالخير، حتى بعد أن تغادر المكان.
كنت حديثة العهد بالمكان، لا أعرف من تفاصيله إلا ما تتيحه لي الزيارة الأولى، ولا من وجوهه إلا ما تسمح به اللحظات العابرة. لذلك كنت أدرك أن حضوري ليس مجرد مشاركة في مناسبة، بل بداية محاولة هادئة لبناء جسر من الألفة والثقة، وأن أكتشف من خلالها المسافة التي يمكن أن تُفتح بيني وبين المعلمات، ومدى تقبلهن لحضوري بينهن، لا كمسمى وظيفي، بل كإنسانة قبل كل شيء.
أردنا أن يأتي اللقاء طبيعيًا، بلا مقدمات رسمية، ولا حواجز تفرضها المسميات، حتى تظهر الشخصيات والأرواح على حقيقتها، وتتكلم بلغة صادقة.
لم أكن أبحث عن قبولٍ يمنحني منصبًا، ولا أرغب أن أقدم نفسي في ثوبٍ لا يشبهني، ولا أن أحيط حضوري بشيء من التصنع أو المبالغة. أردت أن يكون لقائي الأول بسيطًا، خاليًا من أي رتوش تعكر صفو اللقاء، مؤمنةً بأن البدايات الصادقة وحدها هي التي تمنحنا فرصة أن نرى الآخرين كما هم، وأن يرونا نحن أيضًا كما نحن، بعيدًا عن الأقنعة التي كثيرًا ما تؤجل معرفة الحقيقة.
بدأتُ أتعرف إلى المكان، بينما كان المكان، في المقابل، يتعرف إليّ.
ومنذ دخولي... فهم الجميع تقريبًا أنني المديرة المنتظرة.
أتذكر نظرات الترحيب والدفء الذي استقبلتني به الوجوه، وكأن المكان كان يفتح أبوابه لي بهدوء قبل أن أصبح جزءًا رسميًا منه.
تكررت الزيارات إلى هذا الصرح، ثم استلمت الوظيفة، وشيئًا فشيئًا أصبحت جزءًا من المكان، وأصبح المكان جزءًا مني.
دخلته بروح الصديقة أكثر من روح المديرة، وكان هدفي منذ البداية أن أكسب القلوب قبل المنصب. كنت أؤمن أن الإدارة لا تُبنى بالأوامر وحدها، وإنما بالمحبة، وأن الاحترام الحقيقي يُزرع في المواقف الطيبة قبل أن تفرضه المسميات الوظيفية.
وكأنني هنا كنت أسعى إلى تحقيق قول سايمون سينك: "القادة هم الذين يمنحون الأمان لمن يقودونهم، فيبذل الناس أفضل ما لديهم طواعية."
ومع الأيام اقتربنا أكثر، وعرفت أسرارهن الصغيرة، وشاركنني أفراحهن وتعبهن، ونشأت بيننا علاقة تشبه العائلة في دفئها وقربها.
حتى إنني أتذكر كيف كانت الرسائل والمكالمات تسبقني أحيانًا حين أتأخر عن الدوام: "أين أنتِ؟ تأخر الصباح من دونك."
وخلال عامين ونصف، اشتعلت فيهما الأيام بالتفاصيل الصغيرة، أصبحت جزءًا من هذا المكان، وأصبح جزءًا مني.
كنت أدخل الممرات كمديرة، وأخرج منها كل يوم وأنا أحمل مشاعر أم، وصديقة، ومعلمة، ورفيقة غربة.
العلاقة بيني وبين المعلمات حملت دفء الأيام الجميلة، أما الطلاب فتحولوا مع الوقت إلى علاقة دافئة، وكأن وجودهم أعاد إلى روحي ملامح شعور الأم الحقيقي الذي غاب عني طويلًا، وترك داخلي فراغًا لطيفًا امتلأ بهم شيئًا فشيئًا.
كنت أقترب من الطلاب بعفوية، أتابع تفاصيلهم الصغيرة، وأحب أن أكون قريبة من عالمهم.
كنت أغني لهم أغانيهم المحببة، فنردد معًا كل صباح:
"يا أطفال يا حلوين... اشربوا الحليب..."
وتلك الأغنية التي جعلتهم وكأنهم يطيرون عندما نغني:
"طيارتي أحبها... من ورق... صنعتها..."
وكانوا يضحكون ويشاركونني الغناء بحماس طفولي جميل، حتى صار الصباح ينتظر تلك اللحظات كما ننتظرها نحن.
وأحيانًا، وبين أصواتهم البريئة، كنت أهرب معهم إلى طفولتي أنا أيضًا، فنغني بشيء من الحنين:
"طيري... طيري... يا عصفورة..."
تلك الأغاني صنعت بيننا ألفة حقيقية، وجعلت المدرسة بيتًا دافئًا مليئًا بالحياة.
حتى المعلمات كنّ يتعمدن أحيانًا أن يخبرنني بخبر سعيد، أو بتحقيق أمنية انتظرنها طويلًا، وكأن كل واحدة منهن تعرف كيف تفتح باب الفرح في داخلي.
كنّ ينتظرن ردّة فعلي أكثر من الخبر نفسه، ينتظرن ضحكتي، وحركتي العفوية، وانفعالي الصادق.
كنت أفرح معهن بكل صدق، فأتمايل فرحًا دون تكلف، وأرقص رقصات بسيطة تمتلئ بعفوية اللحظة، وكأن الفرح لا يحتاج أكثر من قلب حاضر.
وكانت الزغرودة الليبية حاضرة وسيدة الموقف، تخرج مني دون تفكير، زغرودة تشبه الفرح الحقيقي الذي لا يُقال بالكلام فقط، فيضحكن جميعًا، وتتحول اللحظة إلى احتفال صغير غير مخطط له داخل يوم عادي.
كانت تلك اللحظات تصنع بيننا قربًا مختلفًا... قربًا لا تصنعه الاجتماعات ولا العمل، بل تصنعه المشاركة الصادقة في الفرح.
وهنا أدركت حقيقةً جميلة: أن التواصل لا تصنعه قرابة الدم، ولا الجاه، ولا العشيرة، بل تصنعه الأرواح حين تلتقي، والقلوب حين تتقارب، والمواقف التي تجمعنا في دروب الحياة.
كنت سعيدة أن أكون امرأة ملهمة، تزرع الأمل حتى حين تقسو الأيام.
أحببت أن أقود المكان بالمحبة، وأن يُزرع الاحترام بالمواقف الطيبة، فمارست دوري المهني بقلب أم، وحنان أخت، وحملت إنسانيتي معي في كل أوقاتي معهن.
كنا نضحك كثيرًا، حتى حين كانت قلوبنا ممتلئة بالشوق والحنين. كنا نفرح لبعضنا، ونخفف عن أرواح بعضنا حين تتعب، ونتقاسم الغربة كما تتقاسم العائلة خبزها اليومي.
وكان للمكان وجع آخر يمر بصمت داخل القلب...
بعض المعلمات رحلن قبل رحيلي، لكن فراغهن بقي عالقًا في الممرات وفي تفاصيل الأيام، وكأن المكان ما زال يحتفظ بأثر خطواتهن.
هناك أسماء خرجت من المدرسة، لكنها بقيت تسكن داخلي.
وإحداهن تحديدًا... ما زالت تساؤلات غيابها تؤلمني حتى اليوم.
تركت المكان... وتركتني أنا أيضًا.
كانت حاضرة معي في كل خطواتي المهنية والاجتماعية، وكأن بيننا ذلك التفاهم النادر الذي يكفيه الصمت.
كنت أطرح الفكرة، فتأخذها وتخلق منها شيئًا جميلًا بطريقة تشبه روحها الجميلة.
كانت روحًا خفيفة تدخل إلى التعب فتجعله أهون، وقلبًا حاضرًا في التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة.
رافقتني حتى في ظروفي الخاصة، وأذكر أنها اعتذرت يومًا عن الدوام لتبقى معي في المستشفى، وكأن وجودها بجانبي كان أهم من أي شيء آخر.
وحتى الآن، ما زلت أنتظر اتصالًا منها، أو رسالة قصيرة تطمئن قلبي عليها، وكأن جزءًا مني ما زال واقفًا عند آخر لحظة جمعتنا، عالقًا بين الشوق والانتظار والخوف عليها.
ومع اقتراب الأيام الأخيرة... بدأ شيء غريب يحدث.
رغم أنني لم أخبر أحدًا بقراري، شعرت أن الأطفال التقطوا سر الرحيل بقلوبهم الصغيرة.
أصبحوا يستقبلونني بالأحضان، ويأتون نحوي بلهفة مختلفة، وكأنهم شعروا أن هذه الأيام هي النهاية لعلاقة جمعتنا معًا.
وكان ذلك يوجعني بصورة عميقة.
كنت أقول في داخلي: يا الله... كم يصعبون عليَّ الأمر.
كنت أحاول أن أحفظ ملامح وجوههم، وأن أختزن ضحكاتهم، وأقاوم فكرة تحوّل هذه الأيام إلى ذكرى مؤلمة.
لهذا صرت أصورهم كثيرًا... تقريبًا صورت أغلبهم، وكأنني أخشى أن تسرق الأيام ملامحهم مني.
وأحيانًا، كنت أتعمد الابتعاد قليلًا، وكأن جوارحي تحاول حماية نفسها من تعلق أكبر، لكن طبيعة عملي كانت تعيدني إليهم كل مرة، فأقترب أكثر... وأتعلق أكثر.
وأذكر أن إحدى المعلمات انتبهت يومًا إلى أنني أصور المعلمات والطلاب كثيرًا، وكأنني أودع المكان بصمت.
دخلت عليها إحدى القاعات ذات يوم، فوجدتها تبكي بحرقة.
اقتربت منها بقلق وخوف، وحاولت أن أفهم ماذا حدث، وما الذي كسر قلبها بهذا الشكل.
كانت تخفي السبب، ثم اكتشفت بعد ذلك أن دموعها جاءت لأنها شعرت أنني أودعهم.
كانت تتوسل إليَّ أن أبقى، وتقول بصوت يرتجف ودموع تنهمر:
فكري فينا... كيف ستصبح الأيام بعدك؟ كيف سنحتمل برودة المكان بعد دفء حضورك؟
وكانت تردد:
أنتِ الأمان... والروح التي جعلت هذا المكان بيتًا مليئًا بالحياة... لا تتركينا.
حاولت... وحاولت... أن أشرح لها أن الظروف أحيانًا تصبح أقوى من رغباتنا.
لكنها كانت تعود لتقول:
أنتِ أقوى من الظروف، وارتباطنا بكِ أكبر من فكرة الرحيل نفسها.
ثم همست، وكأن قلبها يتعلق بخيط أمل أخير:
قولي: إلى لقاء... وقريبًا جدًا.
كانت تتمنى أن تستلم مني الرسالة نفسها التي كنت أرسلها لها بعد كل سفر، حين أكتب لها:
هل حجزتِ تذكرة العودة؟ تعالي بسرعة... المدرسة تشتاق إليك.
ثم جاء اليوم الأخير...
حفل ختام العام الدراسي...
وما أقساه من يوم.
كان يومًا ثقيلًا... أثقل مما توقعت، وأقسى مما هيأت قلبي له.
كنت أودع صديقات جمعتني بهن سنوات من العمل والوفاء، لكنها مع الأيام تحولت إلى عمر كامل.
كانت لحظات صعبة ومريرة، أحسست فيها أن قلبي يريد أن يخرج من صدري، وأن جسدي صار ثقيلًا، منهكًا بصورة موجعة، حتى إنني لم أجد طاقة تقويني على مواجهة تلك اللحظات.
بعض الوداعات تلامس وجعًا قديمًا، كان القلب يظن أنه تجاوزه.
ولحظات الوداع تلك أعادت داخلي السؤال ذاته:
كيف لقلوب من غير موطننا أحبتنا وتعلقت بنا وتشبثت بحضورنا، بينما في الجانب الآخر من جعلنا في عزم السفر والابتعاد، دون أن يلتفت إلى الفراغ الذي قد يتركه الغياب، وكأن وجودنا لم يكن سوى أمرًا عابرًا؟
وفي آخر يوم...
كانت الكلمات تختنق في صدري.
وفجأة، رجعت إلى تلك الأغنية التي كنت دائمًا أرددها للأطفال:
"طيري... طيري... يا عصفورة..."
ورددتها وأنا أغادر ذلك المكان.
وكأنني، في تلك اللحظة، كنت أنا العصفورة نفسها.
عصفورة عاشت طويلًا في مكان أحبته، وألفت زواياه، وتأثرت بصدى أصواته، حتى صار يشبه عشها الصغير... ولم تكن تدرك يومًا أنها ستغادره.
لكنه القدر...
فالطيور أحيانًا لا ترحل لأنها تريد الرحيل، بل لأن الظروف تدفعها إلى الهجرة، حتى وإن كان قلبها متعلقًا بالمكان.
وهكذا شعرت وأنا أغادر...
كأنني أفرد جناحي بصعوبة، وأطير بعيدًا عن مكان تركت فيه جزءًا مني، بين الأطفال، والضحكات، والتفاصيل الصغيرة التي كانت تربطنا بالحياة.
وغادرت...
وما زال صوت تلك الأغنية يمشي خلفي بهدوء:
"طيري... طيري... يا عصفورة..."
بقلم: نوال إدريس أبخاطره
كاتبة ليبية مقيمة بسلطنة عمان
قصة



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات