لماذا نبكي حين نعود إلى الحارة القديمة - موفق عريبي العبيدي
بقلم
موفق عريبي العبيدي
ليس غريبًا أن يسبقنا الحنين كلما اقتربنا من أحيائنا الشعبية القديمة، فهناك لا نرى حجارةً ولا بيوتًا متواضعة فحسب، بل نرى أعمارًا كاملةً اختبأت بين الأزقة، وذكرياتٍ ما زالت تنبض رغم مرور السنين.
كلما تقدم بنا العمر، وتسابقت من حولنا التكنولوجيا، وارتفعت الأبراج، واتسعت المدن، ازداد يقيننا أن الإنسان لا يشتاق إلى المكان لأنه جميل... بل لأنه احتضن أجمل أيام حياته.
هناك ولدنا... وهناك تعلمنا أول الحروف، وتعثرنا في أولى خطواتنا، وضحكنا حتى امتلأت الأزقة بأصواتنا. هناك كانت الجيرة نسبًا، والمحبة لغةً لا تحتاج إلى كلمات، وكانت الأبواب تُفتح قبل أن تُطرق، والقلوب أوسع من البيوت.
واليوم... نعود فنبحث عن الوجوه التي صنعت طفولتنا، فلا نجد إلا آثارها. رحل الآباء، وغاب الأحبة، وتفرقت الرفقة، وربما لم يبقَ إلا بعض الأحفاد الذين لا يعرفون أسماءنا، بينما تعرفنا الجدران، وتُسلّم علينا الطرقات، وتهمس لنا النوافذ: هنا كانت أجمل سنوات العمر.
إن الأحياء التراثية ليست ماضيًا نرويه، بل جزءٌ من هويتنا، وذاكرة وطن، ومرآة أجيالٍ عاشت البساطة، فصنعت السعادة.
سيظل الإنسان، مهما بلغ من العمر، ومهما امتلك من وسائل الراحة، يحمل في قلبه طفلًا يحنّ إلى زقاقٍ قديم، وبابٍ خشبي، ورائحة خبزٍ تنبعث من بيت الجيران... لأن بعض الأماكن لا نسكنها فقط، بل تسكننا
إلى آخر العمر.
مقالات



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات