كيف تحول زيد لذبابة ـ منذر حنا
كيف تحول زيد لذبابة
ودعت الشمس بقايا نهار متوتر ؛ هاربة من ظلمة تتمدد ببطء لكن بتصميم ، ركًن الليل أوتاده بقوة ونشر عباءته السوداء فوق تضاريس تحولت إلى أشباح مخيفة بحكم القلق المنتشر والطاغي ، فغداً الانتخابات لاختيار أعضاء مجلس الشعب ، الخيم منصوبة والدبكات معقودة والعيون ترصد كل حركة ؛ هذا صفق وذاك لا ، هذا دبك وذاك لا ، هذا نخ وذاك لم ينخ .
تمدد زيد على السرير وهو يشعر أن رأسه كتلة من رصاص وصدره مثقلاً وكأن حجراً كبيراً يجثم فوقه ، قال في نفسه : لن أذهب ! فالنتيجة محسومة ؛ القائمة الأساسية فائزة حتماً والبقية أيضاً بطرق أخرى ؛ يعرف تماما كيف تتم وما يجري شكل مزيف لإضفاء الشرعية لكن !!! سيستدعونه ، تقلب في سريره وكأنه ينام على الشوك .
....عليك مراجعة الفرع كذا خلال أربع وعشرين ساعة ! ويستيقظ القلق ، يتصاعد ليحتل كل مشاعره ، يتسارع نبضه ، تتقلص أطرافه ، يهرب النوم من عينيه ، واحد وعشرون عاماً مضى على خروجه من السجن وهم على هذا المنوال ... يذهب ؛ انتظر دقيقة وتغدو ساعات ، صفق أبواب ! صعود سلالم ! صرخات مبهمة ! تفضل : يستقبله المحقق بلطف مفتعل ؛ يناوله ورقة وقلم ، اكتب سيرة حياتك : درست الابتدائية ، الإعدادية ، الثانوية ، الجامعة ، دخلت المعتقل ، خرجت ... إلخ ....يناوله الورقة ، يتظاهر بقراءتها ، يراقبه من فوقها ...ستتعاون معنا ( زبدة القول) ...مستحيل ؛ يا أخي وظفوني عندكم ؛ أكون ممنوناً ، أما مخبر ؛ مستحيل ، يصيح غاضباً : أنحن اسرائيليون ؟! يفكر !! لا ، حين يطلبني الوطن لمحاربة اسرائيل سأكون أمامكم ، في نفسه : (الوطن ليس أنتم )، أنا تطوعت للنزول خلف خطوط العدو في حرب تشرين ، سجلي عندكم ..... وقع وانقلع : يصرخ المحقق ، يسير باتجاه الباب الخارجي دون أن يلتفت وكأن أحداً يلاحقه ، يأخذ هويته وهاتفه من غرفة الاستعلامات ويتابع ، يراوده سرور غامر لأنهم لن يعيشوا الفرح الذي يحسه وهو يغادرهم ليتنفس الحرية بحرية ، بعد أن اعتقد كما في كل مرة أنه لن يعود ، لكن فرحته لن تكتمل ، فمن تجربته يعرف أنه سيستدعى مرة أخرى .
يتقلب في السرير ، يقول بتصميم : لن أنتخب .
..... أطردت من الوظيفة ؟ سأله السيد كمال : حين رآه يراجع في الدائرة ومعه ابنتاه الحسناوان اللتان سلمتا بود ، نعم طردوني ؛ الله لا يردك ... لماذا تحمل السلم بالعرض !؟ وذهب هو وابنتاه بعد أن ارتسم شعور واضح بالخجل على وجهيهما ، غصة كبيرة وقفت في حلقه وكأن يداً حديدية اعتصرت قلبه ،(مضى على الحادثة أكثر من أربعين عاماً وما يزال يغص حين يتذكرها ).
لن أذهب وليكن ما يكون شعر بالراحة ، هدأت نفسه وغفا كطفل تناول وجبته من صدر أمه .
في العاشرة فتح عينيه اللتان تعلقتا في السقف للحظة ، فمه جاف ومر ، وضع دلة القهوة على النار ، صب فنجاناً ودخن معه الكثير ، فتح كتاباً فكرياً وقرأ عدة صفحات دون أن يستوعب ، تناول رواية ؛ لم يستطع الاستمرار ! نزار قباني ، قرأ قصيدة الديك عدة مرات ، تمتم : أجراس العودة لن تقرع .
نهض ، حلق ذقنه ، أخذ حماماً ، لبس ثيابه ، نظر إلى ساعته ؛ الواحدة ! خرج ، نسمة هواء صفقت الباب بقوة ، سمع حركة في دار أهله ، نزل الدرج ؛ عندما اتجه شمالاً حسب اتجاه الدرج قابله الديوان الذي تجلس عليه ؛ درجت نحوه مبتسمة ، لم يعرف أهي ابتسامة فرح أم حزن ، في عينيها عتب ، خوف ، خجل ، مدت يدها ، صافحته ،غمرته بحضنها ، قبلت عنقه ، وجنتيه ، تشممته ، ثم بسرعة انحنت وقبلت يده ، صرخ ساحباً يده : أعوذ بالله ، برضايي عليك يابنيي اذهب وانتخب ، لا فائدة ؛ ثم أردف : صوتي لن يقدم ولن يؤخر ، لا أعرف في السياسة ؛ فقط أخاف عليك قالت وحاولت أن تقبل يده مرة أخرى ، رفض بعنف ، ضعف ، نفرت دموعه ، زفر بأسى قال : لن أستطيع أن أرفض لك طلباً ، انفرجت أساريرها ، نبق أخواه من الزاوية الشرقية سارا حوله كمرافقين ، شعر أنه معتقل ، استقلوا السيارة وإلى المركز .
الباب مفتوح ، وجد ( عمرو ) على الصندوق صديقه الذي أخذ اتجاهاً آخر وصار يلقي الخطابات الحماسية ويدبك وينخ ، قال ساخراً لماذا تجشمت عناء المجيء ؛ فقد انتخبت عنك ، فتح فمه ليتكلم ، وقع نظره على ثلاثة رجال ينظرون إليه بشماته ، من هيئتهم عرف عملهم ، ابتلع لسانه ، شعر بعرق بارد ينسكب من شعره في ظهره ، تألم كثيراً حين رأى تعابير وجهي أخويه ، قفل راجعاً ، سار في الشارع ، أوقف أخوه السيارة ، نظر إليهما غاضباً ، عاتباً ، ضائعاً ، غطت دموعه عينيه ، شعر أنه يراهما من خلف ستارة ، تابع سيره .
استفاق من ذهوله مذعوراً على بوق سيارة التفت : ( لاندروفر بثلاثة صفوف) وبها ثلاثة الرجال الذين رآهم في المركز يتحدثون ويقهقهون ، رفع أحدهم إصبعه الوسطى ووجهها اليه ، كشً بدنه كخرقة ، صغر تلاشى ، نبتت له أجنحة شفافة ، تحول إلى ذبابة وطار إلى أقرب حاوية ، وجد عمرو هناك ، وقد تحول أيضاً غامساً خرطومه في كيس للقمامة .
4/7/2020 منذر حنا




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات