»نشرت فى : السبت، 15 أغسطس 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

نافذة لا تقفل ـ محمد بنداحة


 نافذة لا تُقفل

محمد بنداحة/المغرب


(أهدي القصة إلى كل الأدباء والشعراء والفنانين والمبدعين...)


في إحدى المدن العتيقة المطلة على البحر، كان رجلٌ يملك مكتبةً في زقاقٍ ضيق. كانت نوافذها تطل على البحر، لكنه كان يغلقها كل مساء، خوفًا من الرطوبة والغبار.


في أحد الأيام، دخلت إحدى الكاتبات المكتبة، وقالت له: "لماذا تغلق النافذة؟ البحر يرسل لك كل مساء قصيدة، لكنك تحبسها في الزجاج".


ضحك الرجل وقال: "البحر لا يكتب الشعر".


ابتسمت الكاتبة وولّت، لكنها تركت له ورقةً صغيرة كُتب فيها:


"من يخاف من الريح، يفقد صوت الأمواج. ومن يغلق نافذته، يموت ضوؤه قبل الغروب".


في الليلة التالية، ترك النافذة مفتوحة. تسللت الريح، وحرّكت الأوراق على مكتبه، كأنها تملي عليه كلمات. جلس يكتب لأول مرة دون تخطيط. كان البحر يملي، والقمر يصحح، والنجوم تشير إلى علامات الترقيم.


وفي الصباح، وجد نفسه قد كتب قصةً لم يسبق لها مثيل؛ قصةً لم تخرج من عقله وحده، بل من روحٍ فتحت نافذتها للعالم.


أهدى القصة إلى الكاتبة الزائرة، لكنها لم تعد، ففهم أنها لم تكن سوى رسالة لما كان ينقصه: الجرأة على ترك النافذة مفتوحة، ولو للريح. ومنذ ذلك اليوم، لم يغلق النافذة.


لم تعد النافذة مجرد فتحةٍ على البحر؛ صارت بابًا للحياة. مع الشروق، كانت تمنحه ضوءًا ساطعًا يوقظ الكتب من نومها، وتتسلل منها أصوات النوارس، كأنها تقرأ له فواتح الصباح. وفي النهار، كانت تدخل غبار الطريق وحرارة السوق، وتصل إليه حكايات العابرين الذين يقفون يتفرسون في عناوين الكتب. فيدخلهم الفضول، فيشتري أحدهم كتابًا لم يكن ينوي شراءه، ويبدأ آخر حديثًا أدبيًا، ويسأل ثالث أو يقترح.


وفي المساء، كانت تُدخل نسيم الغروب وهمسات البحارة الذين يمرون أمام المكتبة، فيتوقفون ليحدثوه عن بلاد لم يزرها وأحداث عاشوها في البحر. كان يصغي إليهم، ثم يدون حكاياتهم في دفتر صغير سماه: "أخبار الريح". أما في الليل، فكانت النافذة تنفتح على الظلام والنجوم. يجلس وحيدًا يتأمل، لكنه لم يعد يشعر بالوحدة؛ فالقمر صار شريكًا في الكتابة، والنجوم تمنحه إشارات خفية إلى النهايات المفتوحة، والبحر يواصل همسه في الخارج.


ومع الأيام، بدأت المكتبة تتغير. لم تعد مكانًا تُشترى منه الكتب فحسب، بل صارت مكانًا تُروى فيه الحكايات، وتُناقش فيه الأفكار، وتُسمع فيه أصوات لم تكن تجد من يصغي إليها.


وبقدر ما اتسعت النافذة، اتسع ما وراءها، وبدأت الريح تحمل إلى المكتبة أشياء أخرى غير رائحة البحر. إنذارات غامضة. مخالفات لا يعرف لها سببًا. زيارات تفتيشية تأتي في أوقات متفرقة. وأحيانًا، ورقة مجهولة تُدس تحت الباب. لم يكن أحد يقول له شيئًا صريحًا، لكن الرسالة كانت تصل إليه كل مرة: هناك من لا يعجبه أن تبقى النافذة مفتوحة. لم يعرف من يقف وراء ذلك، ولم يشأ أن يعرف.


وفي إحدى الصباحات المشرقة، بينما كان يرتب كتبه، دخل عليه ثلاثة أشخاص لم يرهم من قبل. كان أولهم شاعرًا كبيرًا كاد أن يُنفى من مدينته بسبب قصيدة كتبها عن الموج. وكانت الثانية روائية تكتب عن النساء اللواتي يسبحن عكس التيار. وكان الثالث موسيقيًا أعمى يعزف على العود ألحانًا لا تُعرف إلا في المدن المتمردة، يشعر بالبحر ولايراه. تقدموا منه، وقالوا بصوت واحد:

"نحن هنا لنقرأ كتبك، ونصنع معك مقهى أدبيًا تحت سقف المكتبة، ونفتح للناس نافذةً أوسع، ونؤسس منتدى في النور".


نظر صاحب المكتبة إلى النافذة، ثم ابتسم، وهكذا وُلد «مقهى النافذة». كانوا يعلقون على جدرانه قصائد تُكتب على أوراق الجدران. وكانت الروائية تروي حكاياتها بصوت عالٍ، ثم يعيد الرواة روايتها بطريقتهم. وكانت الموسيقي تعزف، فيرد عليها البحر بأمواجه، كأنه جوقة خفية. وفي كل مساء، كانت النافذة تزدحم بالوجوه. وجوه تقرأ. وجوه تستمع. وجوه جاءت لأول مرة، ثم عادت، حتى صار من الصعب أن يعرف أحد أين تنتهي المكتبة وأين يبدأ الشارع، وأين ينتهي البحر وأين تبدأ الحكاية، لكن الصراع اشتد.


وفي يومٍ رمادي، جاء القرار: إغلاق المقهى والمكتبة والمباني المجاورة، وهدم المكان بدعوى المنفعة العامة، لبناء مرأب عمومي.


لم يجادل صاحب المكتبة طويلًا. عاد إلى نافذته. وضع يده على خشبها العتيق، وكأنه يودع صديقًا قديمًا. ثم فتحها على اتساعها.


في اليوم المحدد للهدم، وصلت الآليات، لكنها لم تجد المكان خاليًا. كان هناك جمع من الأدباء والشعراء والفنانين، جاؤوا من أماكن مختلفة من الضفتين، يحملون كتبهم ودفاترهم ومخطوطاتهم ولوحاتهم. وقفوا صفًا واحدًا أمام النافذة. كان الشاعر يحمل قصيدته، والروائية تحمل مخطوطها، والموسيقي تحمل عودها، وآخرون حملوا كتبًا ودفاتر ومصاحف، كأنهم يحملون ما بقي من ذاكرة المكان.


تقدم صاحب المكتبة خطوة إلى الأمام، ونظر إلى النافذة. كانت الريح تعبرها كما كانت تفعل كل مساء، وكان البحر في الخارج يرسل أمواجه إلى الشاطئ. قال أحدهم: "سيهدمون الجدار"، وقال آخر: "وسيهدمون المقهى". فأجاب صاحب المكتبة وهو يبتسم: "لكنهم لن يهدموا النافذة". نظروا إليه باستغراب، فأشار إلى البحر وقال: "إن أُغلقت هذه النافذة، فالشاطئ كله مكاننا... وكل موجة فيه نافذة، وكل ريح تحمل حكاية".


بدأ الهدم. سقط الجدار، وتطاير الغبار، وتكسرت الرفوف، لكن شيئًا واحدًا ظل مفتوحًا:


النافذة.


لم تكن نافذةً من خشب وزجاج هذه المرة، كانت نافذةً في ذاكرة الذين وقفوا هناك.

 وفي اليوم التالي، حين مرّ الناس بالمكان، لم يجدوا المكتبة، ولم يجدوا المقهى، لكنهم وجدوا على الرمل، أمام البحر، أوراقًا كثيرة حملتها الريح. كانت عليها قصائد، وحكايات، ومقاطع موسيقية، ونهايات لم تكتمل، وفي أعلى ورقةٍ بينها، كانت جملة واحدة:


"بعض ال

نوافذ لا تُقفل... لأنها لم تكن في الجدار أصلًا".

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة الملتقي العربي للقصة القصيرة وفن المقال 2014 - 2015